لا يصلح المنتخب الإيطالي ليكون مثالا حيا لهوية كرة القدم وحساباتها المعقدة، وتحدياتها المستمرة.. كان دائما نموذجا يجعلك تعيد ترتيب فكرة الفوز والخسارة وما بينهما.. يجعلك لا تؤمن بالطريقة الهجومية وتساندها وتحبها لأنها تصطدم بواقع الباب المسدود.. يجعلك لا تراهن على النهج الدفاعي المحكم، لأنه ربما يفقد كل شيء من وراء تسديدة طائشة.. إيطاليا فعليا وواقعيا وتاريخيا خارج أي حسبة تضعها على الطاولة فيما يخص منطقية كرة القدم والتي أساسا لا تعترف بالمنطق بسبب إيطاليا وأشباهها حول العالم.
فازت إيطاليا باللقب الأوروبي مرتين، الأولى كانت عام 1968، وهذا بالنسبة لي وقت لا يمكن القياس عليه بأي شكل من الأشكال.. كانت كرة القدم حينها مزيج من الاجتهادات الضائعة، والمهارات الخجولة، والهجوم الطائش.. ما كان هناك فكر فني يمكن البناء عليه.. كان كل ما يحدث أشبه بمباريات الحواري قبل عشر سنوات.. فوضى عارمة وطرق بدائية ولعب عشوائي.. هذا ما أمكن النقل التلفزيوني من تركه أرثا وأدلة قاطعة لجيل وجد كرة القدم أشبه بعملية فيزيائية يمكن دراستها بدقة وتفاصيل صغيرة.
قبل أربع سنوات فازت إيطاليا بلقبها الأوروبي الثاني.. أي أنها احتاجت أكثر من 55 عاما حتى تستعيد عرش القارة العجوز.. بين لقبها الأول والثاني كانت إيطاليا وأنديتها تقدم فاصلا طويلا من المهارة واللعب المفتوح حتى بات الدوري هناك هو الأمتع فنيا وتكتيكيا.. دوري لا يعتمد القوة والسيطرة الميدانية وفلسفة الاستحواذ.. المهارة والهجوم والتسديد والتمرير القصير المحكم والغزو من العمق.. إيطاليا الدفاعية التي قتلت كأس العالم عام 1982 بهزيمة البرازيل عبر الدفاع والارتداد السريع بدت هي نفسها تتنازل عن أسلوب اخترعته وانتهجته سنوات طويلة.. لا تزال إيطاليا تثق كثيرا بفلسفة الدفاع.. نعم لم يعد سلاحها الوحيد لكنها تخرجه من الحقائب العتيقة كلما أغلقت في وجهها الدروب المفتوحة.. بين لقبها الستيني الأول ولقبها الثاني في الألفية الجديدة ذهب الطليان بعيدا وتزعموا العالم كله أكثر من مرة منتزعين مونديالات مشهودة كانت البرازيل وألمانيا وفرنسا الأكثر ترشحا وقوة وتطورا كرويا متسارعا.. لكنها إيطاليا على أية حال التي تجعل كل حساب خارج المعادلات المكشوفة.
يقول الكاتب الإنجليزي الشهير دافيد ويند عن لعب الإيطاليين لكرة القدم: «الإيطاليون يرحبون بك ويهدئوك مؤقتا، ويجذبونك ويحضنوك بنعومة، ثم يسجلون هدفا كطعنة الخنجر».
إيطاليا اليوم تعبر دور المجموعات بعملية انتحارية.. لا يحملون الرصاصة في جيوبهم.. هناك خنجر مسموم ينتظر خصومهم كما قال دافيد، وكما فعلوا بالكروات!.
صالح الخليف